سيد قطب

3382

في ظلال القرآن

من أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن . فقال : أتل عليّ . فتلوت : « وَالذَّارِياتِ » . . فلما بلغت قوله تعالى : « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » قال : حسبك ! فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر ؛ وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى ! فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف ؛ فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق . فالتفت ، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر . فسلم عليّ واستقرأ السورة . فلما بلغت الآية صاح وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم قال : وهل غير هذا ؟ فقرأت : « فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ » . . فصاح قال : يا سبحان اللّه . من الذي أغضب الجليل حتى حلف ؟ لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين ! قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه » . . وهي نادرة تصح أو لا تصح . ولكنها تذكرنا بجلال هذا القسم من اللّه سبحانه . القسم بذاته . بصفته : رب السماء والأرض . مما يزيد الحقيقة المقسم عليها جلالا . وهي حقيقة بلا قسم ولا يمين . ذلك كان القطاع الأول في السورة . أما القطاع الثاني فيشمل تلك الإشارات إلى قصص إبراهيم ، ولوط ، وموسى ، وعاد قوم هود ، وثمود قوم صالح ، وقوم نوح . . وهو مرتبط بما قبله ، ومرتبط كذلك بما بعده في سياق السورة . « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ؟ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ ، فَقالُوا : سَلاماً . قالَ : سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ . فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ . فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ : أَ لا تَأْكُلُونَ ؛ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً . قالُوا : لا تَخَفْ ، وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها ، وَقالَتْ : عَجُوزٌ عَقِيمٌ . قالُوا : كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ ، إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ . قالَ : فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ؟ قالُوا : إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ . فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ » . . إنها آية أو آيات في تاريخ الرسالات . كتلك الآيات التي أشار إليها في الأرض وفي الأنفس . وإنه وعد أو وعود تتحقق من تلك الوعود التي أشار إلى تحققها في القطاع السابق . ويبدأ الحديث عن إبراهيم بالسؤال : « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ؟ » . . تنويها بهذا الحديث ، وتهيئة للأذهان . مع وصف ضيف إبراهيم بالمكرمين ؛ إما لأنهم كذلك عند اللّه ؛ وإما إشارة إلى إكرام إبراهيم لهم كما ورد في القصة . ويبدو كرم إبراهيم وسخاؤه وإرخاصه للمال واضحا . فما يكاد ضيفه يدخلون عليه ويقولون : سلاما . ويرد عليهم السلام ، وهو ينكرهم ولا يعرفهم . ما يكاد يتلقى السلام ويرده حتى يذهب إلى أهله - أي زوجه - مسارعا ليهيئ لهم الطعام . ويجيء به طعاما وفيرا يكفي عشرات : « فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ » . . وهم كانوا ثلاثة فيما يقال . . تكفيهم كتف من هذا العجل السمين ! « فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ . قالَ : أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ » . . وجاء هذا السؤال بعد أن رأى أيديهم لا تصل إليه ، ولا يبدو عليهم أنهم سيأكلون طعامه . « فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً » . . إما لأن الطارئ الذي لا يأكل طعام مضيفة ينبئ عن نية شر وخيانة . وإما لأنه لمح أن فيهم شيئا غريبا ! عندئذ كشفوا له عن حقيقتهم أو طمأنوه وبشروه : « قالُوا : لا تَخَفْ . وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ » . . وهي البشارة بإسحاق من زوجه العقيم .